محمد جمال الدين القاسمي

456

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أرواح غيرهم في ذلك ، بل بمعنى أنهم يُرْزَقُونَ رزق الأحياء ، لا رزقا معنويّا ، بل حقيقيا . كما روى ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 1 » : لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش . فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم ، حسن منقلبهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع اللّه لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عن الحرب . فقال اللّه عزّ وجل : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل اللّه هؤلاء الآيات : وَلا تَحْسَبَنَّ . . . إلخ . هكذا رواه الإمام أحمد ؛ ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه . وأخرج مسلم « 2 » عن مسروق قال : سألنا عبد اللّه عن هذه الآية وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا . . . إلخ . فقال : أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال : أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب ! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا . و روى الإمام أحمد « 3 » عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - فيه قبة خضراء ، يخرج إليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية - تفرد به أحمد - ورواه ابن جريح بإسناد جيد . قال ابن كثير : وكأنّ الشهداء أقسام : منهم من تسرح أرواحهم في الجنة ، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة . وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر ، فيجتمعون هنالك ، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح - واللّه أعلم - ثم قال : وقد روينا في مسند الإمام أحمد « 4 » حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها ، وتأكل من ثمارها ، وترى ما فيها من النضرة والسرور ، وتشاهد ما أعدّ اللّه لها من الكرامة ، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم ، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة ، فإن الإمام أحمد

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 1 / 266 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الإمارة ، حديث 121 . ( 3 ) أخرجه في المسند 1 / 266 . ( 4 ) أخرجه في المسند 3 / 455 .